عندما يدق القلب من خشية الله ....... طه
علي عبدالحميد
كانت هناك فتاة فقيرة عانت من الحياة لا
تملك شيئاً ولكنها على أخلاق قويمة وشرفها لا تملك سواه وذات يوم وهي تسير في
طريقها إلى المنزل عائدة من عملها بعد انتهاء يوم عمل شاق ولا يبدوا عليها أي من
ملامح المشقة وذلك لجمالها الخلاب الذي يخفي آثار المشقة فتظهر في الطريق بوجهها
المشرق كأنه قطعة من القمر بل وكأنه البدر مبتسما تنير في وجهك إن نظرت إليها
,عيناها السوداويين ساحرتان يخطفان القلب ويأخذانك لعالم مليء بالإسرار من
غموضمهما فهي حزينة على حالها ويخفي حزنها جمالها فتتيه في عالمها وتغرق في
بحورعيناها ولا تستطيع قراءة ما بهما , ........... وكانت تعمل كبائعة في محل
ملابس وينتهي عملها في السادسة مساءاً وكان منزلها لا يبعد كثيراً من عملها وفي
هذا اليوم تقابلت مع شاب وسيم يبدو عليه أنه ميسور الحال جاءها ليسألها عن مكان ما
يريد الذهاب إليه وكان مرتدياً معطفاً أسود لامع طويل يصل إلى ركبتيه يضفي على
وجهه القمحاوي جمالاً ويظهره شاباً أنيقاً من أبناء الزوات , فأجابت عليه سؤاله
بكل احترام بكلمات جعلته ينظر إليها بإعجاب شديد من لباقتها واحترامها ونعومة
صوتها , فشكرها وذهب ولكنه لم يكمل في طريقه وعاد إليها وقال لها :- أين تذهبين
الآن ؟ !
فأجابته :- وما شأنك في هذا ؟!!!!......
فنظر إليها وقد بدا عليه أنه حَزِن من
سؤالها :- حقاً لا شأن لي في ذلك ....... لكن الطريق مظلم وخشيت أن أتركك تسيرين
بمفردك وأنت بهذا الجمال ... وهناك الكثير من الشباب الفاسد رأيتهم في طريقي ....
وعندما تركت تذكرتهم فخشيت أن يلحقوا بك الأذى وأعتذر منك عن سؤالي ......., ثم
ذهب وتركها .
ولكنها شعرت بأنها أخطأت فذهبت خلفه ونادت عليه
وقالت له بنعومة وحياء :-لا عليك أن تعتذر لي يا أخي ... أنا من يجب عليه الاعتذار
فقد أسأت فهمك .... ولا تخشى عليَ فإن منزلي قريب ...., والله معي .
فقال بصوت يملؤه الحنان والعطف :- هوني
عليكي أختاه ..... ولكن لم أقصد غير ذلك , انتبهي لنفسك .
فقالت :- شكراً لك أخي الكريم .
وذهبت لكنه لم يتحرك من مكانه ولا تعلم ماذا
ينتظر .........
وبينما الفتاة في طريقها التف حولها الشباب
وأخذوا يضايقونها وهَمَ أحدهم أن ينزع عنها ثيابها فصرخت صرخةً تنتزع القلوب من
مكانها واخذت تردد(أغثني يا الله ... أغثني يا الله ... اتقوا الله في يا إخوتي
.... أما لكم أخوات مُعْرَّضينَ أن يُفعَلَ بهم ما تريدون أن تفعلوا بي .... اتقوا
الله في وفي أخواتكم ....... ولما لم تجد فائدة من كلامها إليهم .... أخذت تردد
... أغثني يا الله ... أغثني يا الله ... مامن مغيث إلاك وما نعبد سواك .... أنت المغيث
... أغث أمتك الضعيفة فما لها إلاك ..... أغثني يا الله .... أغثني يا الله )
فسمعها الشاب فأرتعد من كلماتها القوية التي
دخلت إلى قلبه مباشرةً فغيرت كل شئ به ......, فأسرع إليها وقام بإبعاد هؤلاء
الشباب عنها بكل قوة وعنف حتى كاد أن يقتل أحدهم ,ففر الجميع منه وأما هو قام بدور
المنقذ الحقيقي وأكمله للنهاية وذهب إلى الفتاة التي قد جلست مقرفصةً في جانب مظلم
من الطريق كي لا يراها أحد وكانت ثيابها قد تمزقت تماماً فخلع الشاب معطفه ووضعه
عليها وأمسك بيديها ليوقفها وهو يقول والدموع تنهمر من عينيه :- لقد حذرتك أختي ولم
تستمعي إلي ...........ونظر إليها فوجدها تبكي بمرارة لما حدث لها ونظرة إليه نظرة
جعلته يزداد في بكائه من شدة الألم في نظرتها لأنها لم تستمع إليه وأهانته في بادئ
الأمر ............... فصرخ الشاب باكياً ليتني لم أتركك وحدك ... هذا خطأي ....
أنا من تسبب في كل شئ .........
لكن لم يك خطأه بل إنه القدر الذي دائماً ما
يفاجئنا , فيبدو على هذا الشاب أنه قد لُقِنَ درساً مفيداً له وبدأ يستعيد وعيه
........... , وذهبا معاً ولم يتفوه أحدهما بكلمة طوال الطريق حتى وصلا إلى منزلها
فقالت هاك منزلي ...... تفضل بالدخول ... فرفض ولكنها أصرت على أن يدخل معها ....
وفتحت الباب أمامه ليدخل فوجد منزلها فائق الجمال رغم كونه يعد غرفةً من منزله
ولكنه منظم جيداً مما يجعله يبدو جميلاً جداً ...وهناك في أحد أركان المنزل من
الجهة اليمني يجلس الأب الكبير المسن يشاهد التلفاز .... وثلاث من الأطفال الصغار
يبدو أكبرهم في الحادية عشر من عمره في الركن الآخر يذاكرون دروسهم ...
فقالت :- تفضل أخي .....
فنظر والدها إليها فأسرع عندما وجدها
بالمعطف شك أن هاك شيئاً قد حدث لها أسرع إليها بكرسيه المتحرك وفزع لما رءاه حدث
لملابسها فقال في فزعٍ شديد ماذا حدث لكي ابنتي ومن هذا الشاب ..... فقصت عليه ما
حدث ...... فأخذ يشكر الشاب وهو يبكي على ابنته وما حدث لها فلو لم يكن هو مريض ما
تركها تخرج للعمل بعد وفاة والدتها الذي أصابه بالمرض من حزنه على فراقها ......
وجلسا سوياً ثم استأذن الشاب بالرحيل وذهب ولكنه نسي معطفه في منزلها .
وبعد مرور أيام عاشها الشاب في منزله الواسع
الكبير وكان لم يرى الطريق أبداً فلم يكن يخرج من منزله ويعاقب نفسه ليل نهار
ويصرخ ويقول :- كيف أتوب .... كيف أتوب ... كــــــيـــف ..... ويبكي بكاءاً
مريراًحتى يخلد للنوم كل ليله وهو على نفس الحال لا يحلو له طعام ولا شراب ولا
يتحدث مع أحد....وكان يرى الفتاة وهي تصرخ أمام عيناه وكلما تذكر كلماتها إزداد
بكائه ويقول عجزت أن أكون مثل فتاة آمنت بالله ... وكانت أمه كلما رأته تسأل عما
يؤلمه فيحتضنها ويبكي ... فتقول :- أدعوا الله أن يخفف عنك بني وأن يهديك إلى
الطريق المستقيم .... فكان يزداد في البكاء كلما سمع ما تقول أمه ..... وذات ليلة
وهو نائم إذ به يسمع المنادي لصلاة الفجر وكان صوتاً جميلاً ينادي لصلاة الفجر
" الصلااااةُ خيرٌ منَ النَّوُووووووم " " الصلاااااااااةُ خيرٌ
منَ النَّوُوووم "
" اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرْ
" " لآ إلهَ إلاّ الله "
فيقوم من فراشه ويقول وعيناه تفيض بالدمع :-
ابتعدت عنك كثيراً ربي .... ابتعدت عنك كثيراً....... وقام فَتَوضأ وذهب إلى
المسجد .... وعندما رأته أمه فرحت كثيراً وأخذت تدعو له في صلاتها .
وبينما هو يصلي إذ بالإمام يقرأ في الركعة
الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم
لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ارحيم"
فأشتد على الشاب البكاء ولم يستطع حبس دموعه
التي انهمرت على واجهه كالسيل حتى انتهى من الصلاة ...... فجلس في المسجد وأخذ
يقرأ القرءآن حتى أشرقت عليه الشمس وهو في المسجد ودعا الله أن يهديه ويتوب عليه
...... وخرج من المسجد عائداً إلى منزله ففوجئ في طريقة بالفتاة ذاهبة إلى عملها
مبكراً فرأته وذهبت إليه وقالت :- صباح الخير أخي ........ أين أنت لقد نسيت معطفك
في بيتنا ولم تعد لإستعادته .
فقال لها ويكاد الدمع يسيل من عينيه :- لم
أنسى معطفي ولكن ما لدي أكثر أهمية من المعطف... سأأتي لزيارتكم اليوم إن قبلتم .
فقالت :- إنه ليشرفنا حضورك أخي .... سيسعد
أبي بلقائك .
فأنصرف من أمامها مسرعاً قبل أن تسيل دموعه
, وعندما حل المساء ذهب إليهم عقب صلاة المغرب , وعندما دخل عليهم كان يحمل الكثير
من الهدايا لها ولوادها وأخوتها فظن أنها ستسعدهم ولكنهم رفضوا هداياه ولم يأخذوها
إلا بعد أن أصر على ذلك وقال لأبيها أنت والدي وهم أخوتي لمَ ترفضون هدية أخيكم .
وبعدها تكرر ذهابه إليهم ولكنه في كل مرة كان
يتألم كثيراً عندما يراها وانه لن يهدأ إلا بعد أن يخبرهم بما يخفيه عنهم , وذات
يوم وهو يبكي في غرفته سمعت أمه صوت بكاه فدخلت عليه فوجدته يبكي ودموعه لا تتوقف
وهو يصلي فأنتظرته حتى انتهى من صلاته وأحتضنه بشدة وهي تسأله عما وراء هذه الدموع
فقال لها كل ما حدث ولكنه أضاف قائلاً لقد كنت المتسبب في هذا .... كنت أنا من أمر
هؤلاء الشباب بما فعلوه وقد تلاعبت بكثير من الفتيات قبلها حتى حدث ما أخبرتك به
فشعرت بالندم على كل شئ , دموعي لا تجف أماه وبدأ بالبكاء ثانيةً فأحتضنته أمه
وقالت له :- بسم الله الرحمن الرحيم
" إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر
مادون ذلك لمن يشاء "
" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم
لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا"
إذهب يا بني إليهم وأخبرهم بما فعلت وأطلب
منهم أن يسامحوك .
فذهب إليهم وأخبرهم بحقيقته ....... وسامحوه
ولكنه أضاف أنه قد أحبها ويريدها زوجتاً له فرفضوه ولكنه لم ييئس وذهب مرة أخري
مكرراً طلبه لهم فأجابه والده بحديثٍ دار بينه وبين ابنته بأنه كان يرفضه فقالت
ابنته :- لماذا يا أبي لقد تغير ولو أنه لم يتغير ما كان ليخبرنا بأخطاؤه وأكملت
بحديث شريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل ابن آدم خطاء و خير
الخطائين التوابون "
رواه الترمذي و استغربه
و صححه الحاكم و ابن حجر
وحسنه الالباني
وليس العيب أن نخطئ .. ولكن العيبَ أن نصرّ
على الخطأ ونكرره
ولذلك يا بني قد أعدت التفكير في أمرك
ووافقت على زواجك من ابنتي .
وما هي إلا أيام قليلة وتم الزواج وعاشا معا
في خير وحب وسعادة وكل هذا بطاعة الله واتباع سنة نبيه عليه الصلاة والسلام
والإبتعاد عن المعاصي والسير في الطريق المستقيم .
بقلم / شيف
طه علي عبدالحميد
11/12/2012
0 التعليقات:
إرسال تعليق