عريس من الصينية
في الصالون وبملابس غريبة كان ينتظر تشريف
أبو العروسة .. بينما كان أبو العروسة وأمها والعروسة نفسها يتبادلون حديثا صاخبا
في حجرة النوم والأب يستعد للخروج للقاء الضيف :
" وده بيشتغل أيه إن شاء الله ؟ "
فردت المحروسة ، المفروض أنها العروسة ، قائلة
بنظرة حالمة :
" ده ثائر كبير يا بابي ! "
" نعم يا أختي .. ثائر ؟! ثائر أزاي
يعني ؟! " أجاب الأب بخشونة
" ثائر يا بابي .. ثائر .. ثائر عظيم
من خيرة شباب التحرير "
" أيوه ماشي فاهم .. أنا بسألك على
شغلانته .. بيشتغل أيه .. بيهبب أيه عشان يكسب فلوس .. لو أتجوزك هيجبلك العلف
منين ! "
ويبدو أن كلمة ( علف ) هذه قد أغضبت العروسة
لأنها لوت بوزها وأسرعت بمغادرة الغرفة تاركة أمها تؤنب الأب بطراوتها المعهودة :
" أيه يا راجل أنت الكلام ده .. علف
أيه وبتاع أيه ؟! هي بنتنا بهيمة لا سمح الله !"
فأجاب الأب وهو يلوي بوزه هو الآخر قرفا
واشمئزازا :
" لأ العفو حد يقدر يقول كده .. ده حتى
كانت البهيمة تزعل ! "
.............................
بعد عشر دقائق تقريبا كان الأب وخلفه الأم
يدخلان غرفة الصالون للترحيب بالعريس .. الشاب المتقدم لخطبة ابنتهما الرابعة
" هبة "
وقف العريس وقفة غير منضبطة ، نصه واقف ونصه
التاني لأ ، ومد يده للأب بغطرسة ملهاش أي لازمة :
" أهلا يا حبيبي "
" أهلا بحضرتك يا عمي "
" أتفضل يا ابني .. أتفضل "
قالتها الأم بلهوجة بعد أن استغرقت الوقفة وقتا أكثر مما يجب .. فجلس العريس على
طول وبجواره جلست المحروسة " هبة " وفي مواجهتهما جلس الأب وبجواره الأم
وبدأ الأب الحديث :
" مش تعرفنا يا حضرت !"
وفهم الشاب أن الأب يريد معرفة كل شيء عنه
كما يقتضي الموقف فأنجعص في جلسته وهتف من طرف أنفه :
" هي " هبة " ما حكتش لحضرتك
عني ولا أيه ؟! "
بغيظ أجاب الأب :
" لا لا حكيتلي طبعا بس أحب اسمع منك
أنت "
" طيب يا عمي زي ما تحب .. أنا بقي
أبقي " محروس فلة " خريج كلية حاسبات ومعلومات دفعة 2007م .. عضو حزب
(..............) وإتحاد ( ....................) والمتحدث الرسمي باسم جمعية (
ثائرون للأبد ) "
لوي الأب بوزه أكثر وسأل العريس المحروس :
" طيب يا سي محروس ، ربنا يحرسك يا
أخويا أكتر وأكتر ، حضرتك بتشتغل أيه بقي ؟! "
" ما قولت لحضرتك أنا عضو حزب
(..............) وإتحاد............."
لكن الأب لم يتركه يتم كلامه :
" يا عم بسألك بتشتغل أيه .. بتجيب
فلوس منين .. بتصرف منين ؟! "
فبانت نظرة انزعاج شديد في عيني المحروس
" محروس " وهتف مستنكرا :
" هو حضرتك راجل رأسمالي ولا أيه يا
عمي ؟! "
" بقولك أيه بلا رأسمالي بلا رأسغانا
بقي .. يا ابني بسألك على شغلك .. لو أتجوزت بنتي هتصرف عليها وعلي بيتك منين ؟!
"
طبعا كان السؤال واضح جدا ولا يحتاج لأي
توضيح ، وإجابته كانت بسيطة فقط لو كان لدي المحروس إجابة أصلا ، لذا تعمد
المراوغة وتغيير الموضوع :
" حضرتك يا عمي عارف اللي قدامك ده
يبقي مين ؟! "
فأجاب الأب بغيظ :
" لا يا أخويا معرفش .. عرفني خلينا
نتشرف "
تاهت أعين العريس في أجواء حالمة وقال بصوت
رخيم وكأنه يغني أغنية من أغاني حليم :
" اللي قدامك ده يا عمي قصة كفاح كبيرة
.. كفاح يسير على قدمين زي ما بيقولوا .. عارف حضرتك الثورة ؟! "
" أنهي ثورة فيهم يا حبيبي ؟! "
" الثورة يا عمي .. ثورة 25 يناير ..
أنا أول واحد دعيت الناس للنزول للمطالبة بإسقاط النظام .. تصدق ده ؟! "
" لا والله ؟! "
" آه وغلاوتك يا عمي .. لو مش مصدقني
خش على صفحتي على الفيسبوك وأنت تشوف كفاحي وجهادي في سبيل الوطن .. أنا من أوائل
الناس اللي نصبوا خيمة في الصينية ! "
" صينية أيه يا حبيبي .. صينية الشاي
؟! "
" لا صينية الميدان يا عمي .. التحرير
يعني ! "
" آه تشرفنا يا حبيبي "
" الشرف لي يا عمي .. بالك أنت يا عمي
أنا بالصلاة على النبي مخلتش مظاهرة ولا اعتصام ولا إضراب ولا مصادمات مع السلطة
الفاسدة إلا ما شاركت فيها وكان لي دور قيادي فيها كمان .."
" صلاة النبي أحسن "
وهكذا أنفتح العريس يحكي للأب عن مغامراته
الثورية الهائلة ودوره في الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرق والسكك الحديدية
ومحاصرة الأقسام وضرب العساكر بالمولوتوف !
ولكن رغم كل ذلك إلا إن السؤال الأساسي ما
زال معلقا :
" أنت بتشتغل أيه يا حبيبي بالضبط ؟!
"
كرر والد العروسة سؤاله للمرة الألف فبانت
ملامح الغضب على وجه المحروس بينما سارعت المحروسة العروسة تناشد والدها برقة :
" من فضلك يا بابي "
" بس يا بت .. بلا بابي بلا دادي جاتك
البلا أنت وهو .. يا عمنا أنا بسألك من صباحية ربنا حضرتك بتشتغل أيه ؟! مهندس ،
مدرس ، موظف ، مندوب مبيعات ، سريح .. مش تقولي إضراب واعتصام ومولوتوف .. جاتك
مولوتوفة في عينك ! "
وهنا غضب المحروس بشدة فأنتفض واقفا أمام
الأب بوسطه الواقع وأخذ يردد موجها كلامه للمحروسة العروسة :
" مش كنتي يا هانم تعرفي أهلك أنا أبقي
مين قبل ما تحدديلي ميعاد معاهم .. من الواضح أنهم لسه ميعرفوش مين هو "
محروس فلة " على سن ورمح !َ "
فزمجر الأب من مجلسه :
" لا يا أخويا منعرفش .. عرفنا والنبي ينوبك فينا ثواب "
وهكذا أنفتح باب جهنم على الأب الذي أجبر على سماع محاضرة طويلة شديدة
الإملال عن إنجازات وبطولات اسم النبي حارسه وصاينه سي " محروس فلة "
اللي على سن ورمح .. وكانت كلها ، للأسف ، من عينة الإنجازات التي لا تهم الأب ولا
الأم في شيء .. وهنا أتي السؤال الأهم :
" هتسكنها فين ؟! "
طبيعي .. بعد أن يسألك والد العروسة هتأكلها منين يأتي وراءه السؤال التالي
له في الأهمية : هتسكنها فين ؟!
" والله يا عمي كله ده مش مهم ! "
" آمال أيه المهم يا غالي ؟! " سأل الأب بدماء تفور غيظا
" المهم هو الحب وتقابل الأرواح وتشابه الأفكار .. والآنسة " هبة
" ما شاء الله عليها ثورية من الطراز الأول وتستحق أنها تكون زوجتي ! "
مروح الأب بيديه على وجهه ليهدئ سخونة الدم في عروقه وعاد يسأل العريس الذي
هبط عليه من داهية لا يعلمها إلا الله :
" بابا .. حبيبي .. لو أنا وافقت أجوزك بنتي هتتنيل تهبب تسكنها فين
.. بعد ما تطلعوا المظاهرات وترموا المولوتوف ونيجي نضمنكم في القسم هتكنوا آخر
اليوم فين يا حبيبي ؟! "
هرش العريس في رأسه المغطاة بقطعة قماش بشكل غريب زي مطربي الفيديو كليب
وأجاب بابتسامة بلهاء :
" والله يا عمي أنا مخبيش عليك .. أنا معنديش شقة بس مش هنغلب برضه ..
"
" طيب عندك بيت ؟! "
" الحقيقة لأ "
" اللهم طولك يا روح .. طيب حتى أوضة في بيت العيلة ؟! "
" مكدبش عليك يا عمي .. لا "
" آمال هتتجوزوا فين .. في النادي الأهلي ولا في إستاد بورسعيد يا
حيلتها ؟! "
" ليه بس يا عمي كده .. بتقلب عليا المواجع ليه بس .. أنا كنت هكون من
ضحايا المذبحة دي لولا ربنا ستر .. أنت عارف يا عمي أنا كنت قاعد في الصف الأول من
مشجعي النادي الأهلي .. أصلي أنا كبير مشجعي الأهلي .. وتقدر تعتبر الشباب بتوع
الألتراس دول كلهم بياخدوا أوامرهم مني شخصيا .. أصل حضرتك مش عارف أنا أد أيه مهم
لكل الثوريين في البلد المخروبة دي .. أنا بقي .. "
وهنا وصل صبر الأب لنهايته فصرخ في وجه العريس والدموع تكاد تطفر من عينيه
:
" يا ولدي يا حبيبي مش كل ما اسألك سؤال ترد عليا بموشح من موسيقي
القرب بتاعتك .. هتسكن مراتك فين لما تتجوزوا صعبة دي ؟! "
" والله يا عمي مش عايزك تقلق نفسك خالص بالتوافه دي ..
أنا عندي خيمة ست مطارح في قلب الصينية تساع من الحبايب ألف ! "
" نعم يا أخويا ؟! "
صرخ الأب في وجه المحروس وقد نفد صبره :
" خيمة أيه ؟! أنت مجنون .. هتسكن أنت ومراتك في خيمة ؟! "
" وماله يا عمي ما هي الخيام دي هي الي أسقطت النظام !"
" الله يحرقك أنت والنظام في ساعة واحدة .. في واحد في الدنيا يتجوز
في خيمة .. ولما الاعتصام يتفض هتسكنوا فيه بقي .. في مجمع التحرير ! "
" لا لا يا عمي متقلقش ما هو الاعتصام مش هيتفض أبدا .. إحنا قاعدين
لهم هناك لما ينفذوا كل طلباتنا وطبعا مش هينفذوها فخلينا قاعدين بقي في الطرواة
.."
" ولو نفذوها يا غالي ؟! "
" مش هيحصل يا عمي .. أطمن هو لعب عيال؟! "
" يا الله يا ولي الصابرين .. ولو حصل هتعمل أيه إن شاء الله ؟!
"
" مش هنغلب برضه .. عامة يا عمي متقلقش أنا هحط " هبة " في
عينيه "
" قصدك هتحطها في الصينية يا عريس الغبرة "
" وماله يا عمي .. وبعدين متقلقش إحنا عليها خالص دا أنا هدلعها قوي
.. وهنقضي أحلي شهر عسل في الدنيا "
قال " محروس " ونظر بهيام في عيني العروسة التي بادلته نظرات
الهيام واللوعة :
" وهتقضوا شهر العسل فين بقي ؟! "
فأجابت العروسة المنحوسة :
" عند الاتحادية يا بابي .. أصلهم عاملين اعتصام بحري هناك ومش بعيد
يجي " مرسي " ينقطنا بنفسه .. حاكم هو خد علينا قوي اليومين دول !
"
تميز الأب غيظا وقام فقلب صينية الساقع التي أمامه ووجه كلامه للأسقع
الموجود أمامه :
" بص يلا معنديش بنات للجواز أنا .. روح شوفلك واحدة تقفيل صيني ترضي
بيك !"
فغضب عريس الغفلة قوي قوي ، قوي خالص ، ونظر للأب بتحدي وقال من طرف أنفه :
" يعني حضرتك بترفض طلبي يا عمي ؟! "
" أيوه يا أخويا برفض طلبك .. مش لما تلاقي شغل وتجيب شقة تبقي تفكر
تهبب تتنيل تتوكس تتجوز .. هي بنات الناس لعبة يا عيل أنت "
" طيب متزعلش بقي حضرتك من اللي هيحصل !"
فرد الأب في تحدي :
" وأيه بقي اللي هيحصل يا حبيبي ؟! "
" شايفة يا " هبة " .. خليكي شاهدة بقي "
وقف الأب وبجواره الأم على ناحية .. بينما وقف المحروس وبجواره المحروسة
" هبة " على الناحية الأخرى يتبادلون نظرات التحدي .. وبعد لحظة أخرج
العريس هاتفه المحمول ورن على رقم معين ،ثم قال في صوت متشف :
" " حسونة " هات الرفاق ! "
" رفاق أيه يا موكوس .. أنت هتخوفنا بشوية المقاطيع بتوعك دول ؟!
"
لم يكد الأب ينهي عبارته حتى فوجئ بزجاجة مليئة بسائل ذهبي تطير ببراعة عبر
شباك الصالون المفتوح على الشارع وتسقط بالضبط أمامه على المنضدة المنخفضة التي
تفصله عن العريس وابنته البلهاء :
" يا لهوي .. موفوتوف "
صرخت الأم التي روعها منظر الزجاجة التي رأت مثلها كثيرا من قبل في (
التليفزيون ) وكانت تعرفها جيدا .. ( موفوتوف ) وهل يخفي القمر ؟!
ظهرت علامات السعادة والاستمتاع على وجه المحروس " محروس " هو
وحبيبة القلب بتاعته وهتف في التليفون بسعادة كبيرة :
" عاش يا رجالة .. خلاص الرسالة وصلت "
ولكن لم تكن هذه هي الرسالة بل كانت مقدمتها .. ولسه هناك ( الديباجة ) و(
السلامات ) و( الطيبات ) و( عاملين أيه ) و ( أقعدوا بالعافية ) .. وبالفعل انهالت
زجاجات المولوتوف على البيت من كل ناحية مثل طلقات مدفع رشاش .. وأصاب الذعر الأم
التي أخذت تصرخ وتصرخ حتى أنقطع حسها .. ثم جرت إلى الداخل لا تلوي على شيء بينما
تدلدلت ملامح الأب المسكين وتناول يد عريس الغفلة وهتف بصوت مذعور :
" مبروك عليكم يا حبيبي .. حلوة الصينية مفيش كلام ! "
عريس من الصينية
في الصالون وبملابس غريبة كان ينتظر تشريف
أبو العروسة .. بينما كان أبو العروسة وأمها والعروسة نفسها يتبادلون حديثا صاخبا
في حجرة النوم والأب يستعد للخروج للقاء الضيف :
" وده بيشتغل أيه إن شاء الله ؟ "
فردت المحروسة ، المفروض أنها العروسة ، قائلة
بنظرة حالمة :
" ده ثائر كبير يا بابي ! "
" نعم يا أختي .. ثائر ؟! ثائر أزاي
يعني ؟! " أجاب الأب بخشونة
" ثائر يا بابي .. ثائر .. ثائر عظيم
من خيرة شباب التحرير "
" أيوه ماشي فاهم .. أنا بسألك على
شغلانته .. بيشتغل أيه .. بيهبب أيه عشان يكسب فلوس .. لو أتجوزك هيجبلك العلف
منين ! "
ويبدو أن كلمة ( علف ) هذه قد أغضبت العروسة
لأنها لوت بوزها وأسرعت بمغادرة الغرفة تاركة أمها تؤنب الأب بطراوتها المعهودة :
" أيه يا راجل أنت الكلام ده .. علف
أيه وبتاع أيه ؟! هي بنتنا بهيمة لا سمح الله !"
فأجاب الأب وهو يلوي بوزه هو الآخر قرفا
واشمئزازا :
" لأ العفو حد يقدر يقول كده .. ده حتى
كانت البهيمة تزعل ! "
.............................
بعد عشر دقائق تقريبا كان الأب وخلفه الأم
يدخلان غرفة الصالون للترحيب بالعريس .. الشاب المتقدم لخطبة ابنتهما الرابعة
" هبة "
وقف العريس وقفة غير منضبطة ، نصه واقف ونصه
التاني لأ ، ومد يده للأب بغطرسة ملهاش أي لازمة :
" أهلا يا حبيبي "
" أهلا بحضرتك يا عمي "
" أتفضل يا ابني .. أتفضل "
قالتها الأم بلهوجة بعد أن استغرقت الوقفة وقتا أكثر مما يجب .. فجلس العريس على
طول وبجواره جلست المحروسة " هبة " وفي مواجهتهما جلس الأب وبجواره الأم
وبدأ الأب الحديث :
" مش تعرفنا يا حضرت !"
وفهم الشاب أن الأب يريد معرفة كل شيء عنه
كما يقتضي الموقف فأنجعص في جلسته وهتف من طرف أنفه :
" هي " هبة " ما حكتش لحضرتك
عني ولا أيه ؟! "
بغيظ أجاب الأب :
" لا لا حكيتلي طبعا بس أحب اسمع منك
أنت "
" طيب يا عمي زي ما تحب .. أنا بقي
أبقي " محروس فلة " خريج كلية حاسبات ومعلومات دفعة 2007م .. عضو حزب
(..............) وإتحاد ( ....................) والمتحدث الرسمي باسم جمعية (
ثائرون للأبد ) "
لوي الأب بوزه أكثر وسأل العريس المحروس :
" طيب يا سي محروس ، ربنا يحرسك يا
أخويا أكتر وأكتر ، حضرتك بتشتغل أيه بقي ؟! "
" ما قولت لحضرتك أنا عضو حزب
(..............) وإتحاد............."
لكن الأب لم يتركه يتم كلامه :
" يا عم بسألك بتشتغل أيه .. بتجيب
فلوس منين .. بتصرف منين ؟! "
فبانت نظرة انزعاج شديد في عيني المحروس
" محروس " وهتف مستنكرا :
" هو حضرتك راجل رأسمالي ولا أيه يا
عمي ؟! "
" بقولك أيه بلا رأسمالي بلا رأسغانا
بقي .. يا ابني بسألك على شغلك .. لو أتجوزت بنتي هتصرف عليها وعلي بيتك منين ؟!
"
طبعا كان السؤال واضح جدا ولا يحتاج لأي
توضيح ، وإجابته كانت بسيطة فقط لو كان لدي المحروس إجابة أصلا ، لذا تعمد
المراوغة وتغيير الموضوع :
" حضرتك يا عمي عارف اللي قدامك ده
يبقي مين ؟! "
فأجاب الأب بغيظ :
" لا يا أخويا معرفش .. عرفني خلينا
نتشرف "
تاهت أعين العريس في أجواء حالمة وقال بصوت
رخيم وكأنه يغني أغنية من أغاني حليم :
" اللي قدامك ده يا عمي قصة كفاح كبيرة
.. كفاح يسير على قدمين زي ما بيقولوا .. عارف حضرتك الثورة ؟! "
" أنهي ثورة فيهم يا حبيبي ؟! "
" الثورة يا عمي .. ثورة 25 يناير ..
أنا أول واحد دعيت الناس للنزول للمطالبة بإسقاط النظام .. تصدق ده ؟! "
" لا والله ؟! "
" آه وغلاوتك يا عمي .. لو مش مصدقني
خش على صفحتي على الفيسبوك وأنت تشوف كفاحي وجهادي في سبيل الوطن .. أنا من أوائل
الناس اللي نصبوا خيمة في الصينية ! "
" صينية أيه يا حبيبي .. صينية الشاي
؟! "
" لا صينية الميدان يا عمي .. التحرير
يعني ! "
" آه تشرفنا يا حبيبي "
" الشرف لي يا عمي .. بالك أنت يا عمي
أنا بالصلاة على النبي مخلتش مظاهرة ولا اعتصام ولا إضراب ولا مصادمات مع السلطة
الفاسدة إلا ما شاركت فيها وكان لي دور قيادي فيها كمان .."
" صلاة النبي أحسن "
وهكذا أنفتح العريس يحكي للأب عن مغامراته
الثورية الهائلة ودوره في الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرق والسكك الحديدية
ومحاصرة الأقسام وضرب العساكر بالمولوتوف !
ولكن رغم كل ذلك إلا إن السؤال الأساسي ما
زال معلقا :
" أنت بتشتغل أيه يا حبيبي بالضبط ؟!
"
كرر والد العروسة سؤاله للمرة الألف فبانت
ملامح الغضب على وجه المحروس بينما سارعت المحروسة العروسة تناشد والدها برقة :
" من فضلك يا بابي "
" بس يا بت .. بلا بابي بلا دادي جاتك
البلا أنت وهو .. يا عمنا أنا بسألك من صباحية ربنا حضرتك بتشتغل أيه ؟! مهندس ،
مدرس ، موظف ، مندوب مبيعات ، سريح .. مش تقولي إضراب واعتصام ومولوتوف .. جاتك
مولوتوفة في عينك ! "
وهنا غضب المحروس بشدة فأنتفض واقفا أمام
الأب بوسطه الواقع وأخذ يردد موجها كلامه للمحروسة العروسة :
" مش كنتي يا هانم تعرفي أهلك أنا أبقي
مين قبل ما تحدديلي ميعاد معاهم .. من الواضح أنهم لسه ميعرفوش مين هو "
محروس فلة " على سن ورمح !َ "
فزمجر الأب من مجلسه :
" لا يا أخويا منعرفش .. عرفنا والنبي ينوبك فينا ثواب "
وهكذا أنفتح باب جهنم على الأب الذي أجبر على سماع محاضرة طويلة شديدة
الإملال عن إنجازات وبطولات اسم النبي حارسه وصاينه سي " محروس فلة "
اللي على سن ورمح .. وكانت كلها ، للأسف ، من عينة الإنجازات التي لا تهم الأب ولا
الأم في شيء .. وهنا أتي السؤال الأهم :
" هتسكنها فين ؟! "
طبيعي .. بعد أن يسألك والد العروسة هتأكلها منين يأتي وراءه السؤال التالي
له في الأهمية : هتسكنها فين ؟!
" والله يا عمي كله ده مش مهم ! "
" آمال أيه المهم يا غالي ؟! " سأل الأب بدماء تفور غيظا
" المهم هو الحب وتقابل الأرواح وتشابه الأفكار .. والآنسة " هبة
" ما شاء الله عليها ثورية من الطراز الأول وتستحق أنها تكون زوجتي ! "
مروح الأب بيديه على وجهه ليهدئ سخونة الدم في عروقه وعاد يسأل العريس الذي
هبط عليه من داهية لا يعلمها إلا الله :
" بابا .. حبيبي .. لو أنا وافقت أجوزك بنتي هتتنيل تهبب تسكنها فين
.. بعد ما تطلعوا المظاهرات وترموا المولوتوف ونيجي نضمنكم في القسم هتكنوا آخر
اليوم فين يا حبيبي ؟! "
هرش العريس في رأسه المغطاة بقطعة قماش بشكل غريب زي مطربي الفيديو كليب
وأجاب بابتسامة بلهاء :
" والله يا عمي أنا مخبيش عليك .. أنا معنديش شقة بس مش هنغلب برضه ..
"
" طيب عندك بيت ؟! "
" الحقيقة لأ "
" اللهم طولك يا روح .. طيب حتى أوضة في بيت العيلة ؟! "
" مكدبش عليك يا عمي .. لا "
" آمال هتتجوزوا فين .. في النادي الأهلي ولا في إستاد بورسعيد يا
حيلتها ؟! "
" ليه بس يا عمي كده .. بتقلب عليا المواجع ليه بس .. أنا كنت هكون من
ضحايا المذبحة دي لولا ربنا ستر .. أنت عارف يا عمي أنا كنت قاعد في الصف الأول من
مشجعي النادي الأهلي .. أصلي أنا كبير مشجعي الأهلي .. وتقدر تعتبر الشباب بتوع
الألتراس دول كلهم بياخدوا أوامرهم مني شخصيا .. أصل حضرتك مش عارف أنا أد أيه مهم
لكل الثوريين في البلد المخروبة دي .. أنا بقي .. "
وهنا وصل صبر الأب لنهايته فصرخ في وجه العريس والدموع تكاد تطفر من عينيه
:
" يا ولدي يا حبيبي مش كل ما اسألك سؤال ترد عليا بموشح من موسيقي
القرب بتاعتك .. هتسكن مراتك فين لما تتجوزوا صعبة دي ؟! "
" والله يا عمي مش عايزك تقلق نفسك خالص بالتوافه دي ..
أنا عندي خيمة ست مطارح في قلب الصينية تساع من الحبايب ألف ! "
" نعم يا أخويا ؟! "
صرخ الأب في وجه المحروس وقد نفد صبره :
" خيمة أيه ؟! أنت مجنون .. هتسكن أنت ومراتك في خيمة ؟! "
" وماله يا عمي ما هي الخيام دي هي الي أسقطت النظام !"
" الله يحرقك أنت والنظام في ساعة واحدة .. في واحد في الدنيا يتجوز
في خيمة .. ولما الاعتصام يتفض هتسكنوا فيه بقي .. في مجمع التحرير ! "
" لا لا يا عمي متقلقش ما هو الاعتصام مش هيتفض أبدا .. إحنا قاعدين
لهم هناك لما ينفذوا كل طلباتنا وطبعا مش هينفذوها فخلينا قاعدين بقي في الطرواة
.."
" ولو نفذوها يا غالي ؟! "
" مش هيحصل يا عمي .. أطمن هو لعب عيال؟! "
" يا الله يا ولي الصابرين .. ولو حصل هتعمل أيه إن شاء الله ؟!
"
" مش هنغلب برضه .. عامة يا عمي متقلقش أنا هحط " هبة " في
عينيه "
" قصدك هتحطها في الصينية يا عريس الغبرة "
" وماله يا عمي .. وبعدين متقلقش إحنا عليها خالص دا أنا هدلعها قوي
.. وهنقضي أحلي شهر عسل في الدنيا "
قال " محروس " ونظر بهيام في عيني العروسة التي بادلته نظرات
الهيام واللوعة :
" وهتقضوا شهر العسل فين بقي ؟! "
فأجابت العروسة المنحوسة :
" عند الاتحادية يا بابي .. أصلهم عاملين اعتصام بحري هناك ومش بعيد
يجي " مرسي " ينقطنا بنفسه .. حاكم هو خد علينا قوي اليومين دول !
"
تميز الأب غيظا وقام فقلب صينية الساقع التي أمامه ووجه كلامه للأسقع
الموجود أمامه :
" بص يلا معنديش بنات للجواز أنا .. روح شوفلك واحدة تقفيل صيني ترضي
بيك !"
فغضب عريس الغفلة قوي قوي ، قوي خالص ، ونظر للأب بتحدي وقال من طرف أنفه :
" يعني حضرتك بترفض طلبي يا عمي ؟! "
" أيوه يا أخويا برفض طلبك .. مش لما تلاقي شغل وتجيب شقة تبقي تفكر
تهبب تتنيل تتوكس تتجوز .. هي بنات الناس لعبة يا عيل أنت "
" طيب متزعلش بقي حضرتك من اللي هيحصل !"
فرد الأب في تحدي :
" وأيه بقي اللي هيحصل يا حبيبي ؟! "
" شايفة يا " هبة " .. خليكي شاهدة بقي "
وقف الأب وبجواره الأم على ناحية .. بينما وقف المحروس وبجواره المحروسة
" هبة " على الناحية الأخرى يتبادلون نظرات التحدي .. وبعد لحظة أخرج
العريس هاتفه المحمول ورن على رقم معين ،ثم قال في صوت متشف :
" " حسونة " هات الرفاق ! "
" رفاق أيه يا موكوس .. أنت هتخوفنا بشوية المقاطيع بتوعك دول ؟!
"
لم يكد الأب ينهي عبارته حتى فوجئ بزجاجة مليئة بسائل ذهبي تطير ببراعة عبر
شباك الصالون المفتوح على الشارع وتسقط بالضبط أمامه على المنضدة المنخفضة التي
تفصله عن العريس وابنته البلهاء :
" يا لهوي .. موفوتوف "
صرخت الأم التي روعها منظر الزجاجة التي رأت مثلها كثيرا من قبل في (
التليفزيون ) وكانت تعرفها جيدا .. ( موفوتوف ) وهل يخفي القمر ؟!
ظهرت علامات السعادة والاستمتاع على وجه المحروس " محروس " هو
وحبيبة القلب بتاعته وهتف في التليفون بسعادة كبيرة :
" عاش يا رجالة .. خلاص الرسالة وصلت "
ولكن لم تكن هذه هي الرسالة بل كانت مقدمتها .. ولسه هناك ( الديباجة ) و(
السلامات ) و( الطيبات ) و( عاملين أيه ) و ( أقعدوا بالعافية ) .. وبالفعل انهالت
زجاجات المولوتوف على البيت من كل ناحية مثل طلقات مدفع رشاش .. وأصاب الذعر الأم
التي أخذت تصرخ وتصرخ حتى أنقطع حسها .. ثم جرت إلى الداخل لا تلوي على شيء بينما
تدلدلت ملامح الأب المسكين وتناول يد عريس الغفلة وهتف بصوت مذعور :
" مبروك عليكم يا حبيبي .. حلوة الصينية مفيش كلام ! "
كلمات دلالية :
1 التعليقات:
ههههههههههههههههههههههههههه
والله جميله جدا يا أستاذة منال تسلم الايادي اللي خطت
إرسال تعليق