سأعود إليك في الربيع بقلم أ / منال عبد الحميد

سأعود إليك في الربيع


" سأعود إليك في الربيع .. لن يستمر هذا إلى الأبد .. لا تخف .. مع بداية الربيع 
ستجدني بين يديك !" 
هكذا قالت لي وأنا أدفنها في طبقة عميقة من التربة .. كانت قد وعدتني بالعودة قريباً .. مع بداية الربيع .. وها قد جاء الربيع ..   وهي لم تنهض بعد !
************
كان يوماً غريباً ذاك الذي تعرفت فيه على هذه المخلوقة التي غيرت مجري حياتي .. عنقائي الجميلة التي بهرتني بجمالها وعلمها الغزير الذي لا ينتمي لهذه الأرض .. وأنساني ولعي بها أنها ليست منا .. ليست من البشر ولا تستطيع أن تكون مثلنا في يوم من الأيام .. ولا هي ترضي أن تكون مثلنا حتى لو كان هذا في إمكانها .. ولا حتى من أجلي أنا ؟؟!
لم أسألها هذا السؤال يوماً .. فقد كنت أخاف الإجابة !
************
مضيت أهيم معها في دروب الأرض .. أعلمها طرقنا وعاداتنا وأساليب معيشتنا .. ولكنها لم تكن راغبة في فعل المثل معي .. فلم تشأ أن تعلمني شيئاً عن جنسها ونوعها .. قالت لي وهي تحتضنني لتخفف عني وطء كلماتها القاسية :
" لن يفيدك ذلك بشيء .. تمتع بوجودنا معاً .. لن تكسب من المعرفة سوي الحزن ! "
وصمت على مضض .. لأنني لم أكن أعرف حكاية الإحياء هذه !
************
قبل بداية الشتاء بأيام بدأت في الذبول .. صارت بشرتها شاحبة كالموتى وفقدت بريقها .. وطالت فترات نومها العميق الذي يشبه الإغماء .. ثم بدأت في العزوف عن تناول الطعام وحتى عن التحدث معي .. أفزعني تحولها العجيب فسألتها عما بها .. ظلت تحاورني وتناورني أياماً قليلة .. ثم اعترفت لي بالحقيقة المفزعة :
" إنه موعدي .. لا تنسني .. سأعود إليك مع الربيع ! "
لم أفهم وطلبت منها الإفصاح عن معني كلامها .. بالحقيقة أنني أجبرتها على الكلام فقالت لي بوهن :
" أنني أموت .. موتاً مؤقت .. يجب أن أرقد في أرض رطبة منعزلة حتى أستعيد أيامي وأعود إليك مع الربيع ! "
كان هذا فظيعاً .. الأفظع هو أنني أنا ؛ لا أحد غيري ؛ هو من تريده أن يقوم بدفنها !!
************
حملتها والألم يعصر قلبي .. لم أصدق حكاية العودة هذه .. كانت قد ذبلت ومرضت إلى حد أنها لم تعد تستطيع المشي .. هذه هي " ماشا " التي كانت تقفز من ارتفاع مائتي متر دون أن تتأثر .. بحثت عن قطعة أرض رطبة باردة ؛ كما طلبت ؛ ولكنني حرصت قبل ذلك على أن تكون معزولة تماماً عن العالم وبعيدة عن أي عمران .. حتى أتجنب خطورة أن يحفر أحد بالمصادفة ويعثر على جسدها .. لذلك فقد تخيرت أبعد موقع يمكنني الوصول إليه .. وقمت بالحفر مستخدماً معول صغير .. وحرصت على أن تكون الحفرة واسعة بقدر كبير .. وقد حملت معي أغطية وملاءات لأفرش لها مستقرها بها ولكنها قالت لي بوهن :
" فقط التراب .. غطيني بالتراب المندي الرطب ودعني أستعيد أيامي .. وسأعود إليك مع الربيع ! "
ودفنتها .. وغادرت المكان ورجعت لبيتي وعملي وأسرتي .. ولا شيء يشغلني سوي انتظار مقدم الربيع .. لتعود إلى كما وعدت !
************
بشائر الربيع تتراءى لي في الأفق .. ربما لم يكن أحد في الكون ينتظر مقدم الربيع بوله كما كنت أنتظره .. استيقظت  ذات يوم على صوت تغريد بلبل صغير تحت نافذتي وشممت رائحة أول ظهورات لشجرة الورد في حديقتي الصغيرة فعرفت إنه الربيع .. إنه الربيع .. أسرعت بارتداء ملابسي .. وهرولت خارجاً من البيت وجريت عبر الطريق قبل أن يستيقظ أي مخلوق وينهض من فراشه ولا حتى أمنا الشمس ذاتها .. وانطلقت إلى البقعة التي دفنت فيها حبيبتي من شهور قليلة !
************
أخذت أحفر كالمجنون في التربة الرطبة العفنة .. حفرت وحفرت بالمعول حتى أزلت أغلب الطبقات .. الطبقات الأخيرة أخذت أحفرها بأظافري من فرط لهفتي وجنوني .. حفرت وحفرت وحفرت وحفرت حتى ظهر لي جسدها الراقد !
ولكن يا لخيبة أملي .. كانت ما تزال راقدة شاحبة الوجه هزيلة مغمضة العينين بل المصيبة أن شعرها قد أبيض تماماً .. وكان ما زال محتفظاً بلونه الأحمر الغامق عندما دفنتها .. ماذا حدث لها إذن .. ماذا حدث يا إلهي ؟!
************
أخذت أتردد على المكان كل يوم .. أهملت عملي وأسرتي وأصدقائي .. كل يوم .. كل يوم كنت أذهب لأتفقدها .. ولكن الحال ظل على ما هو عليه !
************
ثلاث  سنوات على هذا الحال وهي راقدة كما هي .. لا هي تتحلل ولا هي تنهض !
قالت لي " سأعود إليك في الربيع " !
أي ربيع يا " ماشا " .. أي ربيع ؟!
لم يعد هناك ربيع .. لقد ساء مناخ الأرض واُقتسمت السنة بين الشتاء والصيف .. ولم يعد هناك خريف .. ولا ربيع .. فكيف ستعودين إذن ؟!!
لكن على الانتظار .. فلننتظر .. لعل وعسي !
سأعود إليك في الربيع

" سأعود إليك في الربيع .. لن يستمر هذا إلى الأبد .. لا تخف .. مع بداية الربيع
ستجدني بين يديك !"
هكذا قالت لي وأنا أدفنها في طبقة عميقة من التربة .. كانت قد وعدتني بالعودة قريباً .. مع بداية الربيع .. وها قد جاء الربيع .. وهي لم تنهض بعد !
************
كان يوماً غريباً ذاك الذي تعرفت فيه على هذه المخلوقة التي غيرت مجري حياتي .. عنقائي الجميلة التي بهرتني بجمالها وعلمها الغزير الذي لا ينتمي لهذه الأرض .. وأنساني ولعي بها أنها ليست منا .. ليست من البشر ولا تستطيع أن تكون مثلنا في يوم من الأيام .. ولا هي ترضي أن تكون مثلنا حتى لو كان هذا في إمكانها .. ولا حتى من أجلي أنا ؟؟!
لم أسألها هذا السؤال يوماً .. فقد كنت أخاف الإجابة !
************
مضيت أهيم معها في دروب الأرض .. أعلمها طرقنا وعاداتنا وأساليب معيشتنا .. ولكنها لم تكن راغبة في فعل المثل معي .. فلم تشأ أن تعلمني شيئاً عن جنسها ونوعها .. قالت لي وهي تحتضنني لتخفف عني وطء كلماتها القاسية :
" لن يفيدك ذلك بشيء .. تمتع بوجودنا معاً .. لن تكسب من المعرفة سوي الحزن ! "
وصمت على مضض .. لأنني لم أكن أعرف حكاية الإحياء هذه !
************
قبل بداية الشتاء بأيام بدأت في الذبول .. صارت بشرتها شاحبة كالموتى وفقدت بريقها .. وطالت فترات نومها العميق الذي يشبه الإغماء .. ثم بدأت في العزوف عن تناول الطعام وحتى عن التحدث معي .. أفزعني تحولها العجيب فسألتها عما بها .. ظلت تحاورني وتناورني أياماً قليلة .. ثم اعترفت لي بالحقيقة المفزعة :
" إنه موعدي .. لا تنسني .. سأعود إليك مع الربيع ! "
لم أفهم وطلبت منها الإفصاح عن معني كلامها .. بالحقيقة أنني أجبرتها على الكلام فقالت لي بوهن :
" أنني أموت .. موتاً مؤقت .. يجب أن أرقد في أرض رطبة منعزلة حتى أستعيد أيامي وأعود إليك مع الربيع ! "
كان هذا فظيعاً .. الأفظع هو أنني أنا ؛ لا أحد غيري ؛ هو من تريده أن يقوم بدفنها !!
************
حملتها والألم يعصر قلبي .. لم أصدق حكاية العودة هذه .. كانت قد ذبلت ومرضت إلى حد أنها لم تعد تستطيع المشي .. هذه هي " ماشا " التي كانت تقفز من ارتفاع مائتي متر دون أن تتأثر .. بحثت عن قطعة أرض رطبة باردة ؛ كما طلبت ؛ ولكنني حرصت قبل ذلك على أن تكون معزولة تماماً عن العالم وبعيدة عن أي عمران .. حتى أتجنب خطورة أن يحفر أحد بالمصادفة ويعثر على جسدها .. لذلك فقد تخيرت أبعد موقع يمكنني الوصول إليه .. وقمت بالحفر مستخدماً معول صغير .. وحرصت على أن تكون الحفرة واسعة بقدر كبير .. وقد حملت معي أغطية وملاءات لأفرش لها مستقرها بها ولكنها قالت لي بوهن :
" فقط التراب .. غطيني بالتراب المندي الرطب ودعني أستعيد أيامي .. وسأعود إليك مع الربيع ! "
ودفنتها .. وغادرت المكان ورجعت لبيتي وعملي وأسرتي .. ولا شيء يشغلني سوي انتظار مقدم الربيع .. لتعود إلى كما وعدت !
************
بشائر الربيع تتراءى لي في الأفق .. ربما لم يكن أحد في الكون ينتظر مقدم الربيع بوله كما كنت أنتظره .. استيقظت ذات يوم على صوت تغريد بلبل صغير تحت نافذتي وشممت رائحة أول ظهورات لشجرة الورد في حديقتي الصغيرة فعرفت إنه الربيع .. إنه الربيع .. أسرعت بارتداء ملابسي .. وهرولت خارجاً من البيت وجريت عبر الطريق قبل أن يستيقظ أي مخلوق وينهض من فراشه ولا حتى أمنا الشمس ذاتها .. وانطلقت إلى البقعة التي دفنت فيها حبيبتي من شهور قليلة !
************
أخذت أحفر كالمجنون في التربة الرطبة العفنة .. حفرت وحفرت بالمعول حتى أزلت أغلب الطبقات .. الطبقات الأخيرة أخذت أحفرها بأظافري من فرط لهفتي وجنوني .. حفرت وحفرت وحفرت وحفرت حتى ظهر لي جسدها الراقد !
ولكن يا لخيبة أملي .. كانت ما تزال راقدة شاحبة الوجه هزيلة مغمضة العينين بل المصيبة أن شعرها قد أبيض تماماً .. وكان ما زال محتفظاً بلونه الأحمر الغامق عندما دفنتها .. ماذا حدث لها إذن .. ماذا حدث يا إلهي ؟!
************
أخذت أتردد على المكان كل يوم .. أهملت عملي وأسرتي وأصدقائي .. كل يوم .. كل يوم كنت أذهب لأتفقدها .. ولكن الحال ظل على ما هو عليه !
************
ثلاث سنوات على هذا الحال وهي راقدة كما هي .. لا هي تتحلل ولا هي تنهض !
قالت لي " سأعود إليك في الربيع " !
أي ربيع يا " ماشا " .. أي ربيع ؟!
لم يعد هناك ربيع .. لقد ساء مناخ الأرض واُقتسمت السنة بين الشتاء والصيف .. ولم يعد هناك خريف .. ولا ربيع .. فكيف ستعودين إذن ؟!!
لكن على الانتظار .. فلننتظر .. لعل وعسي !

ساهم في نشر الموضوع :

Digg it StumbleUpon del.icio.us Google Yahoo! reddit

0 التعليقات:

إرسال تعليق