(الــتَّــــــــــــآمُـــرُ الـلََّـــــــذِيـــــذ!!)
(الــتَّــــــــــــآمُـــرُ الـلََّـــــــذِيـــــذ!!)
*********************
قصـة بقـلـم:احــمــد عــفــيــفــى
***********************

استوقفه بابتسامةٍ تتقطر وِدّاً , ثم باغته مُرتمياً فوق صدره, تراجع للخلف قليلاً مندهشاً, وسرعان ما تبدّلت دهشتـه بفرحةٍ عارمة !
تذكّر تلك الابتسامة التى نسى ملامح صاحبها عبر طاحونة السنين, هذا الغرُّ الجميل, أين كان, وأىُ ريحٍ قذفت به اليوم ؟ هذا الوجه الخريفي, لطالما كان مُفعماً بالوهج والحركة, هذا من كان يداهمه بمسكنه القديم الشبيه بصندوقٍ حجرىٍ رطب, فيتعجب كيف يتلفـع بالصبر والامل المتوثب دائما!

كان كصيادٍ مُحنّك, ما تلبث فرائسه تقرقُـر, حتى يُـنقبُ, ويحوم, ويهبط فوق بحيرةٍ مكتظةٍ بالولائم .. يغترف منها وينتشى ما شاء له , واذ يعصف شذاها بقلبه.. يمضى فى سبيله كمن كان مقدّراً لسعيـه الَّا ينداح لأبعد من رحلة زفيره!
لكنه لايزال مبتهجاً, يترنح منتشياً , رغم قساوة الخريف التى تُلهب الشرايين, مازال يتنفس بعمقٍ فى هذا الضجيج !

* قفزت كلمات الصياد برشاقةٍ وتـآمُـرٍ لذيذٍ كعادتها .. تصحبها بسمته المُريحة التى افتقدها خلال حزمةٍ من السنين الباردة
أعاد النظر فى وجه الصياد برهةً ,ثم تمتم لنفسه: (مازال يبدو سعيدا , اتذكّر حين أخبرنى فى آخر لقاءٍ بيننا عن فتاته الجميلة , كان يحدثنى عنها باهتمامٍ وودٍّ ,وآهاتٍ مُلتاعة .. يصف شفتيهـا القرمزيَّتين وهما تبتسمان كأنهمـا تفتحان له كنوزاً من الشّيق تُوقدُ النار الخامدة فى دمائه , وناهديها الشامخين كربوتين من الجُمَّار الشهى , وعينيهـا المفعمتين بأغوارٍ شجيةٍ , وشعرها اللَّيلىّ وهو يتدلى كظلالٍ هادلةٍ فوق قنديلٍ من الضوء وكأنها لوحة خلّابة تعجُّ بالسحر ,والدلال!
لكنها سُلبت منه, أصبح وحيدا فى سحابةٍ داكنةٍ غير ممطرة! ..
وكثيرا ما كان يغزوه سؤالٌ: لماذا لا تموت؟..لكنه سرعان ما يبتسم مردداً:(لا بأس , سوف أعثر على اخرى ذات يومٍ , وعندها سوف أنظرُ الى كل شئٍ بسخرية؟!)

- باغته الصيادُ قائلاً: اكيد تزوجت ؟
- أكيد
- وأنجبت؟
- أربعة
- أنت كما أنت, لطالما كان حُلمك الزوجة , والأولاد, يالك من مثابر!
دُهش لكلمات الصيـاد وهى تخرج بطيئةً متقطعةً, تحيَّـرَ بأمرها, وأمر تنهيـداته.. أهى أسفٌ على حاله , أم شفقةً عليه؟.. تراءت له الذكريات, وهما يقتُلان الساعات الطوال بين شوارعٍ وارصفةٍ غارقةٍ فى الضوء , والواجهات والفاترينات والمحال المتلاصقة, كان الليل يلوحُ كقصيدةٍ مبهمةٍ , يمرحان بين ابياتها برفقٍ وعذوبةٍ , ثم يعودان جائـعين كصقرين يرفرفان بجناحين محطومين , وكيف كان الصياد يمتعض من المخلوقات الزاحفة فى رتابةٍ, كان يُجدِّف بقوةٍ فى خضم المدينة , يشارك فى كل شىْ , يقامر بكل ما لديه مقابل أى شئ ,لم يكن شريراً ,ولم يكن تقياً, كان يمرح بسخاءٍ, ويكتئبُ بسخاءٍ, كان يقرأ , وينصتُ للموسيقى, ويضاجع المومسات, ويتجرع أى نوع من الخمور, والمُسكرات! !... وتذكّر ما قاله للصياد ابَّـان تعارفهما: أنت اشبه بموج البحر, تبتسم وتكتئب فى آنٍ واحد, أنت مقامر رعديد!.. فيقول الصياد:صدقت يا عزيزي, فعندما يتلقفني النوم, ترحل قافلتي, لا شئ في الحياة أمتع من الترحال والسفر, حيث تظل منتشياً, تتنفس ملء رئتيك, تنتعش وتنتعش, مخلفاً وراءك كل الأشياء الملوثة, تقعـد على حافة نهرٍ نظيف, تُصغي لشدوٍ بِكرٍ ربما يعيد خلقك من جديد, يعيد أشياءك الضائعة, وربما تقابل امرأةً ذات عينتين واسعتين عسليتين, ترتجفُ يهما رغبةٌ حبيسةٌ, آاااهٍ...ياصاحبي, ما أروع المجهول؟!
فقاطعه- آنذاك- قائلاً : أما انا فسوف أتزوج , وأنجب , فأنا لست مثلك , أنا اعشق الإستقرار!
- أنت أبله, سوف تتحول مع الوقت الى سلحفاةٍ بائسةٍ لا تستطيع الفكاك من قفصها,.. إقبل نصيحتى وتحرر , كُن مثلى!!
عندها أقبل الجرسون هامساً بضرورة الاغلاق,كانت الساعات شاحبة ,تدنـو على مهلٍ ,والشوارع تستعيد زبائنها المتعبين, لكنه -وقتها- شعُـر بارتياحٍ حين تمكن الصياد من غرز المفتاح فى الكالون العنيد كان قد قرر المبيت مع الصياد لشدة الاجهاد, لكن الذى ادهشه-آنذاك- ,هو انصفاق الباب فى وجهه بعد ان مَرقَ الصياد للداخل, قرع كثيرا ,دون جدوى ,حتى تناهى الى سمعه صوتٌ انثوىُّ غنوجٌ يقول: اين كنت ايها الثعلب المخمور هيا أقبل, سأدفئك وأُنسيك العالم!
ليلتها تكوّر فى سريره الذى وصل اليه بشق الأنفس وأخذ يحدِّق بالسقف ملياً , حتى شاهد شبحاً رهيباً يهبط فوقه قائلاً: ستموت، انت ضحيتى الليلة !

* افاقه سؤال الصياد: طبعت انا ضيفك الليلة , وكمان لتُعرفنى على الاولاد؟
-الاولاد وامهم سافروا عند جدهم
تبدّل وجه الصياد,بإشراقةٍ مباغتةٍ,حتى كاد صاحبه ان يبطش بوجهه مستفسرا؟ لكنه انتبه -للمرة الاولى- لفاتنةٍ تجلس ملتصقـةً بالصياد... أفقدته أنوثتها النطق لبرهةٍ, وكان وقتُ الترحيب بها قد فقد بهاءَه ... ارتبك خجلاً ,ثم عاد , استقبلـتـه الفاتنة بضحكةٍ غنوجٍ لها رنينٌ يحفِّز على الإقتحام , اتبعتها بغنجٍ أكثر افصح عن كثيرٍ من أنوثتها المُتفجرة , بدا فستانها الاخضر القانى , أشبه بقميص نومٍ من القماش السميك ,ينسجمُ مع بشرتها الخمرية المُتَّقدة ,... انزلقت نظارته بفعل العرق ,باغته الصياد بزغدةٍ فوق كتفه قائلا: فِكّها شويّه يابجم! اغتاظ ,تمتم لنفسه:( سنينٌ طوال وانت تغافل نفسك أيها الابله حتى تخيلت انك (دون جوان), خبير ,كيف تتلعثم هكذا أمام حسناءٍ هيّأت الأشياء تماماً لمبارزةٍ ممتعة؟)
*انطلق صوتٌ جهورىُّ من آخر القاعة : وقتُ الانصراف ياسادة !!
تنفس بارتياح,تلقفهم الشارع بضوضائه, واضوائه ,وهوائه الرطب, مال الصياد على رأسه موشوشاً: هى لك الليلة !
-ماذا؟
-الست بمفردك فى المنزل؟
- أنت حيوان بوهيمى, بوهيمى حقا, كيف تتخيل أن...؟ , ثم لماذا تتخلى عنها رغم فتنتها؟ بالفعل انت شيطانٌ ماجنٌ ,لا تعبأ بشئ, آاااه , ربما كنتَ مُفلسا كعادتك,
وكانت كذلك ؟
-عندما ارافق حسناء كهذه, لا يهمنى ان كانت مفلسة او ميسورة ايها الأبله!
-أعطنى سببا كافيا لمحاولتك الزوغان ؟
-من اجلك ياصديقى !
-قُل هذا لغيرى
-فى الحقيقة أنا مُفلس , وهى كذلك ,الأهم أننى مرتبط بموعد ربما أجنى منه فائدة كبيرة , وربما أندم كثيراً إن أخلفت هذا الموعد , فكن ودوداً كعهدي بك!

*كان القمر مختبئاً , وبصيصٌ غير صريحٍ من بعض النجوم الكسلى, يأتى على استحياءٍ , والنصف الاخر من الليل يصحبهما, بمجاملةٍ غير متقنةٍ ,خدش السكوت , تحدث ,استنزف بريقُ فتنتها جزءاً من وقت الحديث ,تناولت هى الخيط , أسهبت, ختمت بقصة هروبها من بلدتها بعد أن اغتصبها ابن خالتها المخمور, أجهشت بصوت مريب!

أغارت طيور النعاس على جفنيـه, لاح المنزل أخيراً, استطالت درجات السلم, بدت المسافة بينها وبين الشقة , أطول من المحطات الثلاث التي طوياها سيراً, اتجهت مباشرة إلى غرفة النوم كأنها تعرفها, تخلصت من قطعة الملابس الوحيدة التي ترتديها ,امتدت يدها خلف رأسها, التقطت شيئاً رشقته بياقة فستانها ,أنسدل شعرها الغزير فوق كتفيهـا الرخاميتين كشلالٍ اسود ,كاد يُغشى عليه , تهاوى فوق مقعد الزينة يتفحص!, لم تمهله, انتشلت روبه , وفوطته , واتجهت الى الحمام... استسلم لأطيار النعاس , أيقظه نبشٌ متقطعٌ فوق الباب, فتح بحرصٍ , انزلق الصياد البوهيمى مسرعاً إلى الداخل ,كانت يُمناه تحمل لفافةً ينبعثُ منها رائحة شواء ,فيما يده الاخرى ممسكةٌ بزجاجةٍ من الويسكى متوسطة الحجم ,... ابتسم للصياد مستفسراً: قال الصياد: فُرجتْ , قطعتْ الحديث بدخولها المباغت , نفضت الماء عن شعرها , بَدتْ كنمرةٍ تتلوى جوعاً, وظمأً, لمحت الصياد , أشرق وجهها ,ارتمت فوق صدره , التصقا بحرارةٍ ,فيما تسلل هو إلى المطبخ ترافقه بسمةٌ ساخرةٌ ,أشعلَ الموقد , وجهَـز الأكواب!@
*******************************************
*من المجموعة القصصية= الملكه بداره=
نشرت فى الاهرام المسائى 6/4/96
************************************************ 
استوقفه بابتسامةٍ تتقطر وِدّاً , ثم باغته مُرتمياً فوق صدره, تراجع للخلف قليلاً مندهشاً, وسرعان ما تبدّلت دهشتـه بفرحةٍ عارمة !
تذكّر تلك الابتسامة التى نسى ملامح صاحبها عبر طاحونة السنين, هذا الغرُّ الجميل, أين كان, وأىُ ريحٍ قذفت به اليوم ؟ هذا الوجه الخريفي, لطالما كان مُفعماً بالوهج والحركة, هذا من كان يداهمه بمسكنه القديم الشبيه بصندوقٍ حجرىٍ رطب, فيتعجب كيف يتلفـع بالصبر والامل المتوثب دائما!

كان كصيادٍ مُحنّك, ما تلبث فرائسه تقرقُـر, حتى يُـنقبُ, ويحوم, ويهبط فوق بحيرةٍ مكتظةٍ بالولائم .. يغترف منها وينتشى ما شاء له , واذ يعصف شذاها بقلبه.. يمضى فى سبيله كمن كان مقدّراً لسعيـه الَّا ينداح لأبعد من رحلة زفيره!
لكنه لايزال مبتهجاً, يترنح منتشياً , رغم قساوة الخريف التى تُلهب الشرايين, مازال يتنفس بعمقٍ فى هذا الضجيج !

* قفزت كلمات الصياد برشاقةٍ وتـآمُـرٍ لذيذٍ كعادتها .. تصحبها بسمته المُريحة التى افتقدها خلال حزمةٍ من السنين الباردة
أعاد النظر فى وجه الصياد برهةً ,ثم تمتم لنفسه: (مازال يبدو سعيدا , اتذكّر حين أخبرنى فى آخر لقاءٍ بيننا عن فتاته الجميلة , كان يحدثنى عنها باهتمامٍ وودٍّ ,وآهاتٍ مُلتاعة .. يصف شفتيهـا القرمزيَّتين وهما تبتسمان كأنهمـا تفتحان له كنوزاً من الشّيق تُوقدُ النار الخامدة فى دمائه , وناهديها الشامخين كربوتين من الجُمَّار الشهى , وعينيهـا المفعمتين بأغوارٍ شجيةٍ , وشعرها اللَّيلىّ وهو يتدلى كظلالٍ هادلةٍ فوق قنديلٍ من الضوء وكأنها لوحة خلّابة تعجُّ بالسحر ,والدلال!
لكنها سُلبت منه, أصبح وحيدا فى سحابةٍ داكنةٍ غير ممطرة! ..
وكثيرا ما كان يغزوه سؤالٌ: لماذا لا تموت؟..لكنه سرعان ما يبتسم مردداً:(لا بأس , سوف أعثر على اخرى ذات يومٍ , وعندها سوف أنظرُ الى كل شئٍ بسخرية؟!)

- باغته الصيادُ قائلاً: اكيد تزوجت ؟
- أكيد
- وأنجبت؟
- أربعة
- أنت كما أنت, لطالما كان حُلمك الزوجة , والأولاد, يالك من مثابر!
دُهش لكلمات الصيـاد وهى تخرج بطيئةً متقطعةً, تحيَّـرَ بأمرها, وأمر تنهيـداته.. أهى أسفٌ على حاله , أم شفقةً عليه؟.. تراءت له الذكريات, وهما يقتُلان الساعات الطوال بين شوارعٍ وارصفةٍ غارقةٍ فى الضوء , والواجهات والفاترينات والمحال المتلاصقة, كان الليل يلوحُ كقصيدةٍ مبهمةٍ , يمرحان بين ابياتها برفقٍ وعذوبةٍ , ثم يعودان جائـعين كصقرين يرفرفان بجناحين محطومين , وكيف كان الصياد يمتعض من المخلوقات الزاحفة فى رتابةٍ, كان يُجدِّف بقوةٍ فى خضم المدينة , يشارك فى كل شىْ , يقامر بكل ما لديه مقابل أى شئ ,لم يكن شريراً ,ولم يكن تقياً, كان يمرح بسخاءٍ, ويكتئبُ بسخاءٍ, كان يقرأ , وينصتُ للموسيقى, ويضاجع المومسات, ويتجرع أى نوع من الخمور, والمُسكرات! !... وتذكّر ما قاله للصياد ابَّـان تعارفهما: أنت اشبه بموج البحر, تبتسم وتكتئب فى آنٍ واحد, أنت مقامر رعديد!.. فيقول الصياد:صدقت يا عزيزي, فعندما يتلقفني النوم, ترحل قافلتي, لا شئ في الحياة أمتع من الترحال والسفر, حيث تظل منتشياً, تتنفس ملء رئتيك, تنتعش وتنتعش, مخلفاً وراءك كل الأشياء الملوثة, تقعـد على حافة نهرٍ نظيف, تُصغي لشدوٍ بِكرٍ ربما يعيد خلقك من جديد, يعيد أشياءك الضائعة, وربما تقابل امرأةً ذات عينتين واسعتين عسليتين, ترتجفُ يهما رغبةٌ حبيسةٌ, آاااهٍ...ياصاحبي, ما أروع المجهول؟!
فقاطعه- آنذاك- قائلاً : أما انا فسوف أتزوج , وأنجب , فأنا لست مثلك , أنا اعشق الإستقرار!
- أنت أبله, سوف تتحول مع الوقت الى سلحفاةٍ بائسةٍ لا تستطيع الفكاك من قفصها,.. إقبل نصيحتى وتحرر , كُن مثلى!!
عندها أقبل الجرسون هامساً بضرورة الاغلاق,كانت الساعات شاحبة ,تدنـو على مهلٍ ,والشوارع تستعيد زبائنها المتعبين, لكنه -وقتها- شعُـر بارتياحٍ حين تمكن الصياد من غرز المفتاح فى الكالون العنيد كان قد قرر المبيت مع الصياد لشدة الاجهاد, لكن الذى ادهشه-آنذاك- ,هو انصفاق الباب فى وجهه بعد ان مَرقَ الصياد للداخل, قرع كثيرا ,دون جدوى ,حتى تناهى الى سمعه صوتٌ انثوىُّ غنوجٌ يقول: اين كنت ايها الثعلب المخمور هيا أقبل, سأدفئك وأُنسيك العالم!
ليلتها تكوّر فى سريره الذى وصل اليه بشق الأنفس وأخذ يحدِّق بالسقف ملياً , حتى شاهد شبحاً رهيباً يهبط فوقه قائلاً: ستموت، انت ضحيتى الليلة !

* افاقه سؤال الصياد: طبعت انا ضيفك الليلة , وكمان لتُعرفنى على الاولاد؟
-الاولاد وامهم سافروا عند جدهم
تبدّل وجه الصياد,بإشراقةٍ مباغتةٍ,حتى كاد صاحبه ان يبطش بوجهه مستفسرا؟ لكنه انتبه -للمرة الاولى- لفاتنةٍ تجلس ملتصقـةً بالصياد... أفقدته أنوثتها النطق لبرهةٍ, وكان وقتُ الترحيب بها قد فقد بهاءَه ... ارتبك خجلاً ,ثم عاد , استقبلـتـه الفاتنة بضحكةٍ غنوجٍ لها رنينٌ يحفِّز على الإقتحام , اتبعتها بغنجٍ أكثر افصح عن كثيرٍ من أنوثتها المُتفجرة , بدا فستانها الاخضر القانى , أشبه بقميص نومٍ من القماش السميك ,ينسجمُ مع بشرتها الخمرية المُتَّقدة ,... انزلقت نظارته بفعل العرق ,باغته الصياد بزغدةٍ فوق كتفه قائلا: فِكّها شويّه يابجم! اغتاظ ,تمتم لنفسه:( سنينٌ طوال وانت تغافل نفسك أيها الابله حتى تخيلت انك (دون جوان), خبير ,كيف تتلعثم هكذا أمام حسناءٍ هيّأت الأشياء تماماً لمبارزةٍ ممتعة؟)
*انطلق صوتٌ جهورىُّ من آخر القاعة : وقتُ الانصراف ياسادة !!
تنفس بارتياح,تلقفهم الشارع بضوضائه, واضوائه ,وهوائه الرطب, مال الصياد على رأسه موشوشاً: هى لك الليلة !
-ماذا؟
-الست بمفردك فى المنزل؟
- أنت حيوان بوهيمى, بوهيمى حقا, كيف تتخيل أن...؟ , ثم لماذا تتخلى عنها رغم فتنتها؟ بالفعل انت شيطانٌ ماجنٌ ,لا تعبأ بشئ, آاااه , ربما كنتَ مُفلسا كعادتك,
وكانت كذلك ؟
-عندما ارافق حسناء كهذه, لا يهمنى ان كانت مفلسة او ميسورة ايها الأبله!
-أعطنى سببا كافيا لمحاولتك الزوغان ؟
-من اجلك ياصديقى !
-قُل هذا لغيرى
-فى الحقيقة أنا مُفلس , وهى كذلك ,الأهم أننى مرتبط بموعد ربما أجنى منه فائدة كبيرة , وربما أندم كثيراً إن أخلفت هذا الموعد , فكن ودوداً كعهدي بك!

*كان القمر مختبئاً , وبصيصٌ غير صريحٍ من بعض النجوم الكسلى, يأتى على استحياءٍ , والنصف الاخر من الليل يصحبهما, بمجاملةٍ غير متقنةٍ ,خدش السكوت , تحدث ,استنزف بريقُ فتنتها جزءاً من وقت الحديث ,تناولت هى الخيط , أسهبت, ختمت بقصة هروبها من بلدتها بعد أن اغتصبها ابن خالتها المخمور, أجهشت بصوت مريب!

أغارت طيور النعاس على جفنيـه, لاح المنزل أخيراً, استطالت درجات السلم, بدت المسافة بينها وبين الشقة , أطول من المحطات الثلاث التي طوياها سيراً, اتجهت مباشرة إلى غرفة النوم كأنها تعرفها, تخلصت من قطعة الملابس الوحيدة التي ترتديها ,امتدت يدها خلف رأسها, التقطت شيئاً رشقته بياقة فستانها ,أنسدل شعرها الغزير فوق كتفيهـا الرخاميتين كشلالٍ اسود ,كاد يُغشى عليه , تهاوى فوق مقعد الزينة يتفحص!, لم تمهله, انتشلت روبه , وفوطته , واتجهت الى الحمام... استسلم لأطيار النعاس , أيقظه نبشٌ متقطعٌ فوق الباب, فتح بحرصٍ , انزلق الصياد البوهيمى مسرعاً إلى الداخل ,كانت يُمناه تحمل لفافةً ينبعثُ منها رائحة شواء ,فيما يده الاخرى ممسكةٌ بزجاجةٍ من الويسكى متوسطة الحجم ,... ابتسم للصياد مستفسراً: قال الصياد: فُرجتْ , قطعتْ الحديث بدخولها المباغت , نفضت الماء عن شعرها , بَدتْ كنمرةٍ تتلوى جوعاً, وظمأً, لمحت الصياد , أشرق وجهها ,ارتمت فوق صدره , التصقا بحرارةٍ ,فيما تسلل هو إلى المطبخ ترافقه بسمةٌ ساخرةٌ ,أشعلَ الموقد , وجهَـز الأكواب!@
*******************************************
*من المجموعة القصصية= الملكه بداره=
نشرت فى الاهرام المسائى 6/4/96
***************************

ساهم في نشر الموضوع :

Digg it StumbleUpon del.icio.us Google Yahoo! reddit

0 التعليقات:

إرسال تعليق