لم تكن ملامح هذا الطفل مألوفة .. في
الحقيقة لم يعرفه أحد من الجيرة أو أهالي المنطقة .. وقد كان يبدو من مظهره أنه
طفل متشرد بلا مأوي ولا أهل له .. لم يعره أحد منا أي اهتمام .. وما شأن أهالي
الأحياء الراقية المترفة بطفل متشرد قذر ظهر في حيهم على غير انتظار .. ما شأن
أولئك الباردي القلوب به أو بأمثاله ؟!
كان يقف على مبعدة من أي شرفة أو نافذة
ملقياً بصره إلى داخل منازلنا ومحملقاً في أطفالنا ، وهم يلهون ويلعبون ويستذكرون
دروسهم أو هم يركضون حولنا ويداعبوننا أو يستلقون في أحضاننا .. في هذه اللحظة
الأخيرة بالذات كنت تلمح في عينيه نظرة لا وصف لها في كل لغات العالم .. فقط نظرة
غامضة حزينة مترعة بحزن أسود غريب وغيرة ورغبة في المثل !
لم أكن أحفل به بالطبع .. فقط عندما التقيت
بصديقتي العزيزة مدام " تيتي " فوجئت بها تفتح موضوع هذا الغلام الغريب
المتشرد وتردد في تأفف :
" لا أعرف كيف يتركون مثل هؤلاء
الأولاد المتشردين يتجولون في حينا دون رقيب ؟!"
وأجبتها أنا تواصلاً معها فيما قالته :
" لا أعرف من أين جاء هذا الولد ؟! لم
نري أطفالاً متشردين في حينا من قبل ! "
" والأدهى أنهم لم يقبضوا عليه بعد !
لابد أنه هارب من ملجأ أو إصلاحية .. لقد طلبت من " عاصم " أن يبلغ
الأحداث اليوم ليأتوا ويلموه ! "
أنقبض قلبي عندما قالت ذلك وأحسست بالشفقة
على هذا الغلام المسكين .. صحيح أن نظراته لأطفالي كانت تخيفني وتقلقني .. ولكني
لم أكن أحبذ فكرة إيذائه .. ولكنني كنت متأكدة أن " عاصم " بيه لا يمكن
أن يتأخر عن فعل مثل هذه الأمور الشريرة !
***********
بعد يومين سمعت أن شرطة الأحداث قبضت على
الغلام إياه وسحبته من قفاه وقامت بتسليمه إلى أحد الملاجئ .. حزنت على الطريقة
التي تخلصنا بها منه ولكن ما أدهشني الفخر الذي بدا على وجه " تيتي " وهي
تنفخ سيجار هافانا في وجهي مباشرة وتقول بسعادة وكأنها فتحت عكا :
" لولاي أنا و" عاصم " لظل
يجوب الحي ليلاً ونهاراً دون أن يستطيع أحد إيقافه ! "
ولكن بعد يومين تأكدت أن الغلام عاد إلى
الحي .. فتشاءمت مما فعلناه بالطفل وتأكدت أن ما فعلناه كان أكبر خطأ ارتكبتاه في
حياتنا وقد كلفنا غالياً !
***********
في صباح يوم الجمعة الماضي كنت أقدم
الإفطار لأطفالي في الساعة التاسعة صباحاً ؛ وطبعاً فهو يوم أجازة وهم يستيقظون
وقتما شاءوا ؛ وبينما كنت أقرب اللبن والزبد من " ميسي " وأجاهد كعادتي
مع " ممدوح " لأقنعه بتناول كوب من اللبن صاحت " ميسي " مشيرة
إلى نقطة ما خلفي :
" أنظري يا ماما "
فألتفت خلفي لأجد الغلام إياه واقفاً وراء
نافذة غرفة السفرة محدقاً في الأولاد بنظراته الغامضة المريبة .. تشاءمت من رؤيته
هذا الصباح وطلبت من الأولاد أن يديروا وجوههم بعيداً عن النافذة ولا ينظروا إليه
.. ظل واقفاً يتطلع إلينا بنظرات حسيرة كسيرة حوالي ربع ساعة ثم أنصرف .. دأب على
ذلك أيام عديدة متوالية .. يأتي كل صباح ليقف أمام أحدي نوافذ البيت ويظل يتطلع
إلينا طويلاً .. ثم يذهب فجأة تاركاً حيرة وتساؤلات لا تنتهي في عقول الأطفال ..
خصوصاً " ميسي " التي لا تكف عن السؤال عن هذا الولد .. من يكون ومن أين
جاء !
بعد عشرة أيام فتحت الباب صباحاً لأفاجأ
بنفس الغلام إياه واقفاً بالقرب من باب منزلنا ينظر نحوي نظرات حزينة يتيمة مزقت
قلبي فأشرت إليه بأصابعي فجاء نحوي على الفور .. ومددت له يدي فقبض عليها بلهفة
وشوق وأخذته معي إلى الداخل وأدخلته غرفة السفرة وأجلسته إلى المائدة وقدمت إليه
كوباً من اللبن وبيضاً مسلوقاً وخبز وجبن ومربي فألتهمهم بشراهة عجيبة دلتني على
مدي الجوع الذي كان يعانيه هذا الغلام المسكين .. في الحقيقة لم أكن أتصرف بإرادتي
ولكن كأنها كانت قوة خفية دفعتني إلى هذا التصرف الغريب الذي لم أتصور نفسي أقبل
عليه أبداً !
لم نتبادل كلمة واحدة .. فقط ظللت جالسة
أمامه وهو يتناول طعامه بشراهة حتى انتهى .. ثم نهضت من مكاني وصعدت إلى أعلى
وأخذت من دولابي مائة جنية من أوراق فئة العشرة جنيهات ووضعتها في كيس صغير ..
وهبطت لأجد الغلام المسكين منكمشاً في مقعده الذي أجلسته فيه محدقاً بفزع في وجه
زوجي ، الذي عاد من الخارج أثناء وجودي بأعلى ، وصدم لرؤية هذا الصبي المتشرد
جالساً إلى السفرة في بيته وكان واقفاً ينظر للولد بشراسة وكأنه يستعد لابتلاعه !
***********
غضب زوجي للغاية من تصرفي الذي أسماه تصرف
غير مسئول وأخذ يصيح ويصرخ في وجهي كالمجنون :
" كيف واتتك الجراءة على إدخال هذا
الولد المتشرد إلى بيتك ! ألم تخشي أن يكون سفاحاً ، فيقتلك ويسرق نقودنا ؟!"
فأجابته باستهانة :
" رويدك يا " فتحي " ..
سفاح أية ولص أية ؟! ما هو إلا غلام دون العاشرة ! "
وهنا تدخل " ممدوح " في الحوار
قائلاً بصوته الرفيع المؤنث :
" وربما يكون حاملاً للعدوى .. فأولئك
الأطفال المتشردين ممتلئين بالأمراض والحشرات .. وهناك قمل في رؤوسهم أيضاً !
"
لم أحتمل المزيد من كلام أبني السخيف فصرخت
في وجهه وأمرته بالصعود إلى حجرته فوراً .. أما " فتحي " فقد أزداد غضبه
بسبب صراخي في وجه ولده المدلل فصاح ينهرني ويهددني بكذا وكذا إذا أدخلت هذا
الغلام ثانية إلى البيت .. ثم انتثر وذهب غاضباً وحانقاً .. ورغم حزني وضيقي من
المشكلة التي بدأت الآن بيني وبين زوجي ؛ والتي أعرف بخبرتي معه أنها لن تنتهي قبل
شهر على الأقل ؛ إلا أنني كنت سعيدة للغاية لأنني تمكنت ؛ قبل أن يقوم " فتحي
" بطرد الصبي المسكين من البيت شر طردة من المنزل ؛ من إعطائه النقود !
0 التعليقات:
إرسال تعليق